هكذا تكلَّم الذئب

في البدء كنتُ سفر تكوين، وصورة في عقل رجل ذي شارب رفيع، وفي طرفي الشارب وردتان بيض. لم أولد في حياة هذا الرجل، أراد أن أظل هكذا، مُعلقًا للأبد في الغيب، ضائعًا، مشردًا بعيدًا عن الأعين التي تنتظرني، ولأنني الذئب الذي يمشي على قدمين، والذي يطلب التيك أواي، ولا يخاف البشر، في لحظة ميلادي حدثت المعجزة، هربت الحيوانات وملأت الشوارع واختبأ رجال الشرطة، صارت المدينة لنا، وكان عليّ أن أجد لنفسي وظيفة من أجل لقمة العيش، عليك أن تتخيل هيئتي: ذئب وقور يكتب على اللاب توب، ويشرب الشوكولا، بينما يرتفع دخان التبغ الرديء!

لم أعتقد أن الحياة ستكون بائسة هكذا، جئت من النسيان، من خيال مجنون ومعقَّد، واخترت تلك الحقبة تحديدًا، عندما انهزم الإنسان وصار العالم طيعًا لنا، ومع ذلك، فإننا لم نفعل شيئًا جديدًا، كل ما في الأمر أننا مارسنا الخطايا التي مارسها البشر علينا، وجعلنا البشر عبيدًا لنا، يسكنون زنازين حديقة الحيوان، أو يجرّون عربات الكارو والحناطير، بينما تجلس الخيول والحمير تدخن التبغ أو الغليون. عادةً نقتحم البيوت ونجد الرجال المختبئين، نجرهم إلى الشارع، نضربهم بالسوطِ ليعملوا بدلًا من نسائهم، نجلدهم إذا سرقوا البط، لكنهم يعودون للاختباء من جديد ويتركون نساءهم فريسةً سهلةً، لذا لم يكن غريبًا عندما رأيت تلك الفتاة تجر إحدى العربات، الغريب هو أن قلبي خفق، ولم أفهم ما الذي دار برأسي، وقفت أتأمل عريها وجمالها، رغم بشريتها. في عينيها حزن، في خزيها جمال، ولا أذكرْ إذا كنت قد خلقتها في قصة ما، أم أنها ابنة عالمها. أخذتني الحيرة، تقدَّمت منها، لمستها، جسدها ناعم ومُترَب، شعرت بنظرات الحمار المتعجِّب الجالس في العربة، ولم يقدر على الصراخ، فالحمار يعرف من أكون. سألت الفتاة عن اسمها فلم ترد، وعلى غير المتوقع ابتسمت وربما خفق قلبها.

فككتُ قيودها وحملتها إلى بيتي، ولم يفكر الحمار في مقاومتي، وإن ظل يصرخ غاضبًا بعد رحيلي ويلعن كتابتي، يقول إنها رديئة، أو بين بين. لا أهتم بما يقول. أخذتها إلى البيت وقلت لها “ستعملين عندي”. نظرت إليَّ طويلًا ولم ترد. وددت لو أنها رفضت، أردت بشدة أن تفعل ذلك. ظللت جالسًا أمام اللاب توب، أكتب القصص، وأراقبها. أترك لها السكين الحادة على المائدة، وأعطي ظهري لها، أتمنى لو تفعل ما أريد، أكتب كل خطواتها في قصتي، وأرى الغيب:

أنا الدمويُّ، ابن الغابة، المنسيُّ في الليل. أشم دمكِ وأتبع رائحتكِ، وأعرف أن الوقت حشرة، ناموسة صغيرة تمص دمك، ناموسة صغيرة ستقتلك، وتوقعك بين عقربين، وكل ما فات سيبدو أغنية، أو عواء، وربما لن يبدو شيء، وربما ما كان شيء..

أنادي عليها لتقرأ، لا تبدو عليها الرغبة في الرفض، ولا تستطيع إن أرادت. بنظرة واحدة إلى وجهي تخضع. تقرأ المكتوب وتبكي. تعتذر لأنها حاولت أن تصفعني ذات يوم، وتقول إنني عاشق. أردُّ بهدوء “لستُ عاشقًا، هذه كلمات سأشتري بها خبزًا”. لا تصدقني. تظنني أستطيع شراء الخبز بطريقة أخرى، تقول أنني مسكون بروح فنان، أحاول أن أشرح لها، لا روح للحيوانات، نحن مخلوقون للذبح فقط، لكنها لا تفهم، أعتقد أن البدلة الأنيقة التي أرتديها تجعلها تخطئ قراءتي، لم أعد دمويًّا، هل تـتخيل ذئـبًا رقيق الطبع؟ مرهفًا؟ حالمًا؟ يريد أن ينقذ تلك البشرية من عالمنا الوحشي، من الوقت الذي ينهش عمرها، ويلدغها كل ليل، ويجعلها تبكي! هل تـتخيل ذئـبًا يبكي؟

أقول لها “انظري في عيني”. تلمع الدموع مثل نجوم صغيرة، مثل سماء بعيدة، نرتفع معًا وننفجر على سواد العالم. تضع يدها على وجهي، تقول بصوتها المبحوح “أنت أيها العاشق، قلبك جمرة، أستطيع أن أشم ذلك”. أستسلم للمستها الناعمة وأشعر أن العالم يتلاشى، أقول لها بضعف “لست عاشقًا”. ترفض ما أقول، تذكِّرني دومًا أنني أنقذتها، تقبِّلني فجأة بجنون، تعض شفتي، أحس بمذاق الدم، فأعض شفتيها بالمثل. يشتعل الجوع في جسدي، أقول لها “اهربي، اهربي بعيدًا”. لكنها لا تفعل. على جسدها العاري المُلقَى على البلاط الساقع أكتب السطر الأخير، وهي تبتسم بانتشاء، أقبِّلها قبل أن أبيعها للمراهقين من عشاق هذا اللون، لكنني أذكرها عندما أُشعل الشموع، وعندما أعوي.

 

_______

من مجموعة “هكذا تكلم الذئب” للكاتب مصطفى الشيمي الصادرة عن منشورات الربيع

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *