عواءُ مُصحّحِ اللغة

تَحَمَّلَتْ رِئتَاي
آلافَ الأطنانِ مِن الأترِبَةِ ..
بعَرَاجِيني البَالية
كنستُ مئاتِ الأمتارِ
من الفضاءاتِ الإلكتُرونِيةِ
حَرثْتُ الحَلْفَا
وأقمتُ على المَقْبَرةِ، السِياجَ،
ورويتُ من الدَمِ المُلوّثِ الحَقْلَ
فلم يبقَ إلا النبتُ الغريبُ..

هذه «الأرضُ اليُبَابُ» ..
الهياكلُ الممسُوخةُ أفرغتْ مثاناتِها هنا
والذئابُ العَطِنَةُ تَرْعَى
وأنا كأني الحَملُ الذي يقودُ القطيعَ
حَريٌ بي أن أحرقَ الأخضرَ واليَابسَ
وأركضَ حتى أتَلاشَى ..

 

حَرِيٌ بي الآنَ
وأنا ابنُ الثلاثينَ كَاملةً
وأربي قِديسةً في البيتِ
وابنًا ذا أفقٍ واعدٍ
ونرجسًا ينمُو كلَّ يَومٍ
أن أتخلصَ من الهَواجسِ المُتتابِعةِ..
وأخرجَ من طَورِ السَكِينةِ
أنا مصححُ اللُّغَةِ الذي طالما
ابتلعَ لسانَه وغَطَّى فمَه
حريٌّ به أن يدفعَ الأبوابَ المُغْلقةَ

يدفعُها
بكل أنفةٍ وبذاءةٍ

طالما حلمتُ أنا
ابنُ الحُقولِ المتسعةِ
والنهرِ ورَوثِ البَقَراتِ الحَاملةِ
وابنُ «الحَنُّون» المنتفخِ بالسكرِ
أن تكون لي رِفقةٌ من الزَرَازِيرِ
وحُقٌ من «الفازلين»
ومَحفًةٌ
وأغنياتٌ دارجةٌ
تنسابُ من راديو «تِرانيستور»
ودراجةٌ هوائيةٌ
ومحبوبةٌ عابرةٌ أقولُ لها:
«يا أنت التي كنتُ سأحبُها» (*)

أنا الذي طالما طَاردَتْني النَحْلاتُ
وصعدتُ شجرةَ التينِ لآخر فرعٍ
وتسابقتُ مع الجَحْش
حتى طالتْ قدماي

أنا صائدُ الدبابيرِ الماهرُ
كيف أبكي الآن
لأن القطاراتِ فاتتني مرارًا
وتركُوني في هذه اليابسةِ «الناشفةِ»
أشعر بالمُرِّ يملأ فمي
وكأنه لم يرضعْ مباشرةً من بَقرةِ الجَدِّ
كيف لي أن أبكي الآنَ
بعد أن سخروا من نَظارتِي
 ذي العَدسةِ الواحدةِ

والأخرى المكسورة

أنا رجلُ التصحيحِ المثقلُ بالأخْطَاءِ
كم هذبتُ حالَ النَخْلِ
وأسقطتُ الثمارَ الفاسدةَ
جديرٌ بي الآن أن أصعدَ الدَرجَ حتى نهايته
وأتركَ هناك أشيائي الحَمِيمَةَ
وذاكرَتي المُثْقَلةَ بالمحبةِ
ثم أسقطُ عليكم فجَّاً
أصبُّ اللعناتِ
وأفتحُ فمي كماسُورة صَرفٍ مُمتلئةٍ بالسباب
ولا أغْلقُه أبدًا
أخلع ثيابي  
وأصفعُ رئيسَ الحَرس
وأقاتلُ وحدي جيشَ «البُودي جردات»
حتى أنزفَ وأتداعَى
ثم أقولُ بكلِّ ثِقةٍ وبكلِّ فجَاجَةٍ:

“أنتم أبناء…
من أتي بكم هنا
كنا قومًا هانئينَ
في إحدى المرات
جربنا أن نكتبَ القصائدَ
شربنا خمرَنا
وملأنا الهواءَ باللونِ الأزرقِ
حتى تهيَأتْ الطيورُ..
زرَعْنا تلةَ الوادي ذُرَةّ
وأقمنا مَحْرقةً هائلةً
وأنضَجْنَا القناديلَ
كثيرًا ما نفدَ الكيروسين
والماءُ
وجَفَّ البحرُ
وتوقفتْ مَوَاتِيرُنا
لكنَّ ثمة قطعةَ خبزٍ أخيرةً تبقى
سيقْضِمُها الصِبيةُ
بينما نَتَلاقَى
نحن على التُرابِ
نَتَلاقَى

 – يا ثقيلَ الدَمِ –
الذي زرعتَ الحَلْفَا في الأسِّرةِ
والشَوْكَ في الأفواهِ…

 

إذن ماذا تظنُونَني
فاعلًا بكم أيها الأوغادُ
الذين تُراقبُونني الآنَ
وأنا أصبُّ هذه اللعناتِ
على أورَاقِكم البيضاء
لأحميها من تُرَهَاتِكم

ماذا تحسبونُني فَاعِلًا
وأنا أخبطُ كالمجنونِ على الدَرَجِ
وعيوني حَمْراءُ

ماذا تظنونني..
بعدما أتلفتُ سيفي الخشبي
في مبارزةٍ طفوليةٍ
واخترتُ أن أجفلَ عائدًا للتِيه
حاملًا أشرطةَ الكاسيتِ
والضفادعَ التي أطلقتها ذاتَ مرةٍ

تركتُ الدنيا
وفرحتُ لأن صبيًا
تخلصَ أخيرًا من الآلامِ التي يزرعُونها
في جسدِه كلَّ مساء ..

غادرتُ البراحَ
إلي الحَلْبَةِ الضَيقةِ
وقابلتُ الأوغادَ وجهًا لوجهٍ
فلم يعدْ لي غيرُ أن أعاقبَهم
وأنا مصححُ اللغةِ العتيقُ
بأن أرفعُ أجسادَهم على أنشُوطَةِ الضَحِكِ
أضَعَهُم في مُتْحَفِ المُومِياوات
وأجردُهم من الفَضائِل..
وأخبرُ الجميعَ أنهم المقصودون
بكلّ ما سبقَ من السبابِ ..
وأعودُ لأحملَ عراجيني ومقشاتي الأليفة
وأعملُ في حُقولِهم الفضائية

* شارل بودلير

 

________

قصيدة من ديوان “عواء مصحح اللغة” للشاعر عبد الرحمن مقلد 

الصادر عن منشورات الربيع

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *