من رواية چشمهايش

صمتٌ خانقٌ كان يخيِّم على مدينة طهران. لم يكن أحد يجرؤ على أن ينبس ببنت شفةٍ، وكان الجميع يهابُ بعضهم من بعض؛ الأُسر تخافُ من أبنائها، والأطفالُ من معلِّميهم، والمُعلِّمون من عمَّال المدارس، والعمَّال من الحلَّاق والدلَّاك. الجميعُ يخشى نفسَه ويجزعُ من ظلِّه، في كل مكان.. في البيت والمكتب، والمسجد والدُّكان، وفي المدرسة والجامعة والحمَّام. كان الجميع يعتقد أن رجال المخابرات يتعقَّبونهم. في السينما، أثناء عزف النشيد الملكيِّ، الجميعُ ينظر إلى ما حوله، مخافةَ أن ينهض مجنون أو أرعن ويجلب المتاعب للجميع. صمتٌ رهيبٌ ذاك الذي كان يخيِّم على جميع أنحاء البلاد. الكل كان يتظاهر بالرضا. لم يكن للصحف ما تنشره غير كيل المديح للديكتاتور، فالناس متعطِّشون للأخبار، وينشرون سرًّا أكاذيب مبالغًا فيها. من كان يجرؤ أن ينعت علنًا شيئًا بالسوء؟ وهل من الممكن أن يكون هناك شيء سيء في الدولة الشاهنشاهية؟

كان الحزن والقنوط وسوء الظن واليأس باديًا على الناس في السوق والشارع، وكانوا متوجِّسين من النظر لما حولهم مخافةَ أن يُثيروا الشكوك.

شوارع مدينة طهران باتت لا تُحتَمل بسبب أشعة الشمس اللافحة. ولا ندري مَن أخبر البلدية أن شوارع أوروبا خالية من الأشجار، حتى انهال العمَّال على الأشجار المعمّرة بالمنشار والفأس، يقطعونها عن بكرة أبيها. كانوا يدمرون الزقاق الضيق، وينقضون أساسات المحلات، ويتركون الناس في العراء. وكان بناء بيت في هذا المكان المُجدِب يستغرق سنوات. وما يُبنى كان حقيرًا وعشوائيًّا. كانوا يبنون السجون في كل أرجاء البلاد، ومع ذلك لا تستوعب السُّجناء. كلُّ من سوَّلت له نفسُه أن يحلم في منامه بسقوط النظام الديكتاتوري كان يُزجُّ به في السّجن، شيخًا كان أو طفلًا في سن العاشرة، فقيهًا كان أو من العوام، بقَّالًا كان أو عامل حمام، من شرق البلاد أو غربها، ومن شمالها أو جنوبها. كان الاعتقال يطول طالب المدرسة، كما الوزير والنائب. يُعتقل أحدهم بتهمة التحدث عند الحلاق عن رسم كاريكاتوري للشاه نُشر في صحيفة بفرنسا، ويُعتقل الآخر بتهمة تبادل أطراف الحديث مع نواب دولة أجنبية خلال سفره إلى الخارج، ويُلقَى القبض على الآخر بتهمة بيع أسهم نفط الجنوب سرًّا للمستثمرين الإنجليز.

في ظل هذه الأوضاع، توفي الأستاذ “ماكان” في العام 1938. كان أكبر فنان تشكيلي إيراني في القرن الأخير. فبعد عدة قرون، وجدت أعمال فنان تشكيلي إيراني مَن يقتنيها في أوروبا، كما نشرت لوحاته مجلاتٌ فنيةٌ في أوروبا وأمريكا.

كان لعدد قليل من الأشخاص مِمَّن يستقبلونه في المدرسة والمجالس بالهتاف، الجرأةُ على إبراز المحبة والتودد إليه، فهناك في الخفاء من يعلم أن الأستاذ “ماكان” من الأشخاص القلائل الذين تجرأوا وأبدوا شجاعةً في التعامُل مع النظام الديكتاتوري حيث تُحكى عنه حكايات مثل: «لم يجزع من أي حرمان، ولم يُغرَّم بأي شيء. لم يكن ملتزمًا بشيء غير الرَّسم. ولم تُحنِ كاهلَه ضغوطات جهاز شرطة الديكتاتور، إذ لم يكن تهديده مُجديًا، فقد أوقفوا صرف راتبه ولم يُبال، ونفوه من مدينة طهران وبقي ثابتًا على موقفه، إلى أن مات في ديار الغربة بعيدًا عن أقربائه وأصدقائه».

كانت العامة تقول إن حب امرأة وضع حدًّا لحياته، لكن العارفين به يعتقدون أن عشقه للحياة أوصله إلى حافة الموت.

في اليوم الذي شاع فيه نبأ وفاته في طهران، تهامس أصحابه وأقرباؤه: «ها هو شخص آخر يموت بسكتة قلبية»، لأن الصحف درجت على وصف ضحايا الحكومة، الذين يموتون في السجن أو المنفى، بأنهم أصيبوا بمثل هذا المرض.

ربما يكون السبب وراء تكريم النظام له، من أجل تغطية الجريمة التي ارتُكبت في حقِّه، هو إصرار أحد أصدقائه النافذين في جهاز الدولة، وربما يكون ابتكارًا من الحكومة نفسها، لأنها كانت على علم بالتأثير المعنوي للأستاذ في أوساط المثقفين، فقالوا: الآن وقد تخلَّصنا من خصمٍ لدود للاستبداد، لماذا لا نستثمر موتَه على أوسع نطاق، لئلا يوقن الناس أنه اغتيل في إيران، وبخاصة بعد الضجة التي أثارها رئيس لدائرة الأمن فرَّ من البلاد؟ كان طابع الدولة حاضرًا في مسجد “سپهسالار” حين أحضروا جنازته إلى طهران في مراسم لائقة، وووريَ الثَّرى في مقبرة “حضرة عبد العظيم”[1]. أقاموا له حفل تأبين في ثانوية “أمير كبير”، وأقاموا معرضًا لأعماله في قاعة “معهد الدراسات التمهيدية”. هكذا أرادت الدولة أن تُظهر احتفاءها بالفن.

لكن الناس ما عادوا ينخدعون، وهم من اعتبروا تأسيس صرح عظيم كالجامعة، انتقاصًا من استقلال البلاد ومصلحة للإنجليز، لأنه أُقيم بأمر من الديكتاتور، فما بالك بموت أستاذٍ فنان، وفي بلاد الغربة؟ فهؤلاء لا يمكن أن يعتبروا مراسم العزاء الرسمية والتكريم المصطنع أمرًا طبيعيًّا وعاديًّا.

أولئك الزعماء وأصحاب الجاه والجلال، الذين كانوا في طهران المضطربة يومها من نواب، ووزراء وعقداء وجنرالات وغوغاء، حضروا جميعًا افتتاح المعرض، وتحدثوا وكالوا المديح وانصرفوا. وتقرر إقامة المعرض لمدة شهر، وزارَه في أيامه الأولى تلامذته وأصدقاؤه ومحبوه فقط. كانوا يتسمرون قُربَ لوحاته، وبخاصة قبالة آخر لوحة أُحضرت من بلدة “كلات” إلى طهران، منحنين له احترامًا لعظمة فنِّه وقوة تجسيده ومهارته في بيان العواطف الإنسانية بالخط واللون.

في الأمسيات، وحفظًا لماء وجهها، كانت وزارة الثقافة تبعث إلى هناك المجموعة تلو الأخرى من مسؤولي طلاب المدارس. لكن بدءًا من الأسبوع الثاني، اتخذت مشاهدة آثار الأستاذ الفنان طابعًا شعبيًا ووطنيًا. فكان الناس يذهبون زرافات ليشاهدوا أنفسهم، وكانوا يجدون انعكاسا لصورهم في لوحاته التي رسمها برصانة وبألوان جميلة. كانوا يتسمرون أمام لوحة بذاتها، كتب أسفلها بخط الأستاذ نفسه عيناها“، يحدِّقون فيها باندهاش، ويتناقشون فيما بينهم ويجتهدون في إدراك سر العينين اللتين تقولان كل شيء، وتنظران إلى الجميع بهدوء في الآن نفسه. كان الناس يتساءلون: ما السر الذي تُخفيه هاتان العينان؟ ما الشيء الذي تُبديانه؟ وكان كل مَن يقوده فهمه إلى شيء يقوله. لكن النظرات مختلفة، وهذا ما كان يقود إلى الجدل.

في نهاية الأسبوع الثاني، كان الازدحام قد وصل مداه، مما حدا بالدولة وسلطات المدينة إلى اعتبار مشاهدة اللوحات تعبيرًا جماعيًّا عن الغضب، يضر بالحكومة. فقاموا بإغلاق المعرض في أول أيام الأسبوع الثالث.

كانت لوحة “عيناها” صورة بسيطة لامرأة، ليس أكثر؛ وجه طويل لامرأة انساب شعرها على كتفيها كالقار المذاب. كل شيء في الصورة يبدو باهتًا. وقد بدا الأنف والفم والوجنتان والجبهة بلون قاتم، كما لو أن الرسام يريد أن يقول إن صاحبة الصورة لم يعد لها وجود في العالم الخارجي. عيناها فقط تركتا في ذاكرته أثرًا خالدًا. كانت العينان تنظران إلى المرء بجاذبية عجيبة. لم تكونا تحدقان، بيد أنهما تمزقان الحجب التي تفصل بين صاحبتها والمتفرّج، وتخترقان قلب الإنسان كالسهم. هل كانت ستذرفان دموعًا بعد لحظات أم سترسمان ابتسامة صفراء؟! غير أن الشفاه لم تكن توحي بأية ابتسامة. هل كانت العينان ضيقتين ومسحوبتين لتبتسما وتبعثا في المتفرج أملا في الحياة، أم لتعذبا مهمومًا؟! أهما عينا امرأة ورعة زاهدة أم عينا امرأة لعوب تبحث عن فريسة أم أن كل شيء انطوى فيهما؟! أكانتا تريدان إسقاط فريسة في فخهما أم تلهثان وراء تحقيق أمنية؟! أكانتا صادقتين وحميمتين أم مؤذيتين وجريئتين؟! عفيفتين كانتا أم وقحتين؟! أَبَدَتا لا مباليتين أم مستجديتين؟! لو أن العينين التمستا شيئًا فما الشيء الذي تريدانه؟ يا للحكايات التي ترويها هاتان العينان في نشوتهما ونعاسهما!

كل شيء في هذه الصورة كان عاديًا؛ الجبين الطويل والأنف الممدود والمقدود، الذقن الدقيق وعظام الخدود، الشعر الحريري والشفاه الرقيقة. كل هذا لم يكن يترك تأثيرًا خاصًا في المشاهد.

كان وجه تلك المرأة غاية في الجمال. لكن ما كان يحيّر المتفرج ليس جمالها، بل اللغز والغموض الكامنان في عينيها. كانت عيناها دقيقتين ومائلتين. أحيانًا حينما تنظر إليهما تنهمر الدموع من عينيك. كانتا، أحيانا، تعكسان خلاف ما يتصوره المشاهد؛ صورة امرأة تعذّب رسامها بنظراتها. حينها، كان يشمئز المرء، لأن أصحاب الأستاذ وأقرباءه كانوا يعتقدون أن المرأة لم يكن لها أبدًا أي دور في حياته، عدا امرأة واحدة ومن المحتمل أنها كانت موديلًا للرسم، لكن لم تبق عنها صورة ولا يوجد في أعمال الفنان من يشبهها.

حينما نَفَوه خارج طهران كان أعزب، ولم يكن أحد يعلم بوجود امرأة تركت أثرًا في حياته. لقد قضى في بلدة “كلات” ثلاث سنوات وبضعة أشهر، ومات فيها. لم تُعر الصحف في الأيام الأولى اهتماما لهذه الحادثة المهمة. جريدة رسمية أشارت إلى وفاة الأستاذ في سطرين. فجأة، ذرف الجميع دموع التماسيح، وتحدثوا عن أفول نجم ساطع في سماء الفن الإيراني.

 

[1] مزار مشهور في طهران، وهو للشاه عبد العظيم بن عبد الله الحسني، من كبار العلماء والمحدِّثين الشيعة، وأحد أصحاب الأئمة علي الرضا ومحمد الجواد وعلي الهادي والرواة عنهم.

ــــــــــــــــــــــــــــ

مقتطف من رواية “چشمهايش” للروائي الإيراني الكبير بزرک علوى بترجمة الدكتور أحمد موسى 

الصادرة عن منشورات الربيع

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *