كابوس الثانية صباحًا

 أحضرتُ الحبلَ السَّميك المَجدول، ووقفتُ في منتصف الحُجرة، ناظرًا لأعلى، إلى مروحة السقف، متأملًا إياها طويلًا… وضعتُ الحبل جانبًا، ثم صعدتُ إلى فراشي، شرعتُ بفكِّ المروحة، ووضعتها على الأرض، ثم أمسكت بالحبل، وضغطت عليه بقوة، عازمًا أن أُنهي تلك المهزلة.

***

 لا أذكر متى كانت أول مرة أخاف فيها الذهاب إلى الفراش، والخلود في النوم؛ ففي كل مرة كنت أنسى تلك الكوابيس المُرعبة المتتابعة كل ليلة، فأستيقظ، دون أن أتذكر أنني كنت في صراع دائم مع الشياطين والعفاريت والكائنات الغريبة، خاصةً في حمَّام منزلي، نعم، في الحمام تحدُث كل المصائب، ففي كل ليلة، ومع اقتراب ميعاد النوم، أتذكر الكابوس المتكرر، فتُصيبني فكرة النوم بالرعب، لقد تعبت وأصابني الخوف بإرهاق شديد لا قِبَل لي به.

 لقد تذكرتُ كل شيء، لأنني على فراش النوم الآن، تُرى منذ متى وأنا في هذه الحلقة المفرغة؟ يا لبؤسي، سأغوص في النوم في أي لحظة وتتابعني اللعنات، وعندما أستيقظ، لن أتذكر أي شيء، وستأتيني تلك اللحظات الليلية، قُبيل النوم، وأنا على فراشي مُجدَّدًا، وسأتذكر، ولكن ما الذي يضمن لي أنها كوابيس حقيقية؟ فربما أكون أنا من يهيئ لنفسي تلك الأحداث، ولكن عندها سأصبح مجنونًا لا محالة! لا لا، هي مجرد كوابيس، فقط كوابيس ليلية متكررة، لا أستيقظ منها حال حدوثها، وإنما تحدث، وتنتهي، فينساها عقلي الواعي، فأستيقظ من النوم، وعندما يسألني أحدهم “هل حلمت بشيء الليلة؟” أقول له “لا” ولكن عندما يأتي موعد النوم، أتذكر كل شيء!

 لا.. لا أريد أن أنام! لن أصارع الشياطين مجددًا! لن أنام.. لن أنام.. لن….

***

 أنهض من سريري، أُلقي نظرةً على غرفتي المُظلمة، بالكاد يُنيرها ضوء القمر والنجوم من النافذة. أتأمل الحوائط ذات الدهان الأصفر الباهت، الدولاب البُني الصغير، مروحة السقف التي تدور ببطء رتيب، ساعة الحائط التي على شكل قطة تهز ذيلها كالبندول، لوحة متوسطة الحجم لمنظر طبيعي، بجوارها مرآة التسريحة، ثم الباب.

 أمشي بتثاقُل، أسمع صوت هرَّتي الصغيرة “ساشا” يأتي من بعيد. أدفع باب الغرفة، وأتحرك خلال الممر المظلم، ثم أستدير يمينًا، حيث باب الحمام. أقف قليلًا متأملًا مرآة الحمام التي بالكاد تظهر في الظلام الداكن. أتوجَّه ناحيتها، وأستند بيدي على الحوض، ثم أتكئ عليه بمرفقيَّ، وأُدلي رأسي لأسفل، ثم أفكر، لماذا لم أفتح النور حتى الآن؟ فتَّتجه يدي اليُسرى إلى مفتاح المصباح الأصفر السهَّاري الصغير المُعلَّق فوق المرآة، فيُضيء أركان الحمام بضوء باهت، كئيب، بالكاد يصف معالم انعكاسي.

 أظلُّ واقفًا مدةً طويلةً متأملًا نفسي في المرآة، أشعر بأجواء خانقة بسبب الإضاءة، ووقفتي المتأملة التي ليس لها معنى لانعكاسي، وكأني في انتظار أن يُحادثني. حتى أتساءل لمَ أنا هنا؟ هل أريد أن أقضي حاجتي؟ لا لا أشعر بذلك. إذًا ماذا؟ هل يجب عليَّ أن أفتح صنبور المياه؟ لأغتسل ربما؟

 تتوجه يدي اليُمنى لتفتح الصنبور ببطء شديد، في البداية تظهر بعض النقاط الرتيبة، نقطة تلو الأخرى، تلو الأخرى، تلو الأخرى… ثم أفتح الصنبور عن آخره، أظل مُحدِّقًا في المياه بنظرات مُريبة، هل لونها يتغير أم يُهيأ لي؟ هل أصبحت صفراء؟ لحظة، هل ينبعج خط المياه؟ أضع إصبعي على المياه فيأتيني إحساس غريب، وترتعد فرائصي. أنظر أمامي، فأجد انعكاسي يستعيد ملامح وجهه الطبيعية بسرعة وخِفَّة، حتى لا ألاحظ تلك الابتسامة الكبيرة الشريرة التي كان عليها وأنا مشغول بالمياه.

 أدقِّقُ النظر في انعكاسي.. هل كان حقًّا يبتسم؟! أم أن ذلك هُيّئ لي؟ أطيلُ النظر لانعكاسي، كي أكشف غدره، لكنه لم يحرِّك ساكنًا. لحظة، هل هذا التعبير المتبلِّد هو حقًّا ما أنا عليه الآن؟ أم أنه يتلاعب بي؟ تأتيني فكرة، وهي أن أظل بنفس تعبير وجهي قدر استطاعتي، ولا أحرك عضلة واحدة فيه، وأذهب لأُلقي نظرة عليه في مرآة التسريحة.

 بينما أولِّي ظهري لانعكاسي، وأتحرك ناحية باب الحمام، أشعر أن انعكاسي ظلَّ مكانَه، لم يتحرك مثلي. أتوقَّف عند الباب، أستديرُ فجأةً موجِّهًا له نظرةً خاطفةً، فأجده يتحرك مثلي.. أتركه، وأتوجَّه إلى غرفتي، قاصدًا مرآتها، محتفظًا بسكون عضلات وجهي. أتحرك إلى أن تُصبح مرآة التسريحة عن يميني. أدير رأسي يمينًا ببطء، فأجد انعكاسي يبتسم ابتسامةً عريضةً مُرعبةً، بفمٍ مفتوح من الأذن إلى الأذن، وأسنان مُتباعدة.

***

 لقد كان يومًا مُرهقًا في العمل، قضيتُ أكثر من اثنتي عشرة ساعة أجول في الشوارع أقنع كل الجالسين في كل المقاهي بشراء أحد معروضاتي، أو كلها، وهي: قلم حبر ذكي يصلح لجميع الأغراض، مزوَّد بأنبوبتين إضافيتين، فُرشة شعر سهلة الاستعمال، خفيفة على الشعر، شاحن باور بانك 5000 أمبير، فرشة أسنان للأسنان الحساسة، شامبوهات، مرآة صغيرة، دفتر صغير للكتابة، حامل موبايل، مقص متعدد الأغراض، مفك متعدد الوظائف، أداة معقَّدة بها كل شيء في وقت واحد، فيها مقص وقصافة وسكين ومفك وكماشة وشاكوش وفتاحة، كانت هي الأكثر مبيعًا اليوم.

 ما زاد الطينَ بلَّةً، هو أنني تعاركتُ اليوم مع أحد الزبائن، بسبب استهزائه وسخريته مني. في البداية أبدى تحمُّسًا شديدًا لرؤية الأشياء، ظللتُ ساعةً واقفًا على قدمي وهو يتفحَّص كلَّ قطعة، يستعملها ويضحك مع أصدقائه، يُمسك فرشاة الشعر، ويسألني “ممكن أجربها؟” ثم يمشِّط شعره، وشعور أصدقائه، ثم يمسك فرشاة الأسنان، ويقول “ممكن أخرجها من العلبة عشان أجربها؟” أخبرته أنه لو أخرجها سيشتريها، فأخرجها، وفرَّش بها أسنانه، وأسنان أصحابه، ثم وضع محموله في الشاحن، وظلَّ يجرِّب كل شيء! ويستهزئ به، ويُضحِك الناس، وأنا في عرض أي قطعة تُباع، حتى قال في النهاية “شوف، إحنا توصلنا لحاجة، إن كل الحاجات اللي انت بتبيعها دي مالهاش لازمة”. جمعت أشيائي، وطلبتُ منه ثمن فرشاة الأسنان، فقال إنه جربها، ولم تُعجبه، ففاض بي الكَيل وزعقت في وجهه، فقام ودفعني بقوة وهو يسبُّني، وبدأ الشِّجار بيننا، وللأسف لم أستطع أن أسدِّد له لكمات قوية كما سدَّد لي، لكن في النهاية اجتمع المقهى، ودفع لي أحد أصدقائه ثمنَ الفرشاة، فهدأ الشِّجار ورحلتُ، بينما شتائمه تُلاحقني في الطريق.

 فرغتُ من العشاء، فأطعمتُ ساشا، وشربتُ الشاي أمام التلفزيون، محوّلًا إياه إلى وضع الراديو، مُستمعًا إلى إذاعة البرنامج الموسيقي، ثم ثقل جسدي وغفوتُ قليلًا على الأريكة، فقد كنت قررت أن أنام مبكرًا الليلة كي يرتاح جسدي المُنهَك. توجَّهت إلى غرفة النوم، ومع كل خطوة إلى السرير تأتيني فكرة خاطفة سرعان ما تُذهِبها الرياح، فلا أتذكر عن أي شيء كانت الفكرة، ومع لمسي لحروف السرير، ظلَّت الفكرة تحلِّق فوق رأسي، إلى أن مددت جسدي، فانقبض قلبي، وجاءت صورة الحمام في مُخيِّلتي! ما هذا؟ هل كانت الليلة الماضية كابوسًا؟ لا، لم تكن المرة الأولى، بل إنه يأتيني منذ، منذ، لا أتذكر!

 لا أريد لذلك الكابوس أن يأتيني مرة أخرى! فلأفكرْ في أي شيء آخر قبل النوم، أي شيء آخر.. أي شيء آخر.. أي شيء.. أي…

***

 أنهض من سريري، أتوجَّه بتثاقُلٍ ناحيةَ باب الغرفة، أدفعه ببطء، وأعبر الممر. أستدير يمينًا ناحية باب الحمام المغلَق، ثم أفتحه، فيُحدِث الظلام الماكث في أجوائه رعشة خفيفة في نفسي. أتوجَّه للأمام قليلًا، وبدلًا من تشغيل الإضاءة البيضاء الناصِعة، أشغل المصباح الصغير السهَّاري، المعلَّق فوق مرآة الحمام، فترتعد فرائصي بسبب تلك الإضاءة المُخيفة، وبسبب ترقُّبي لشيء مجهول لا أعلمه، فهناك شيء غير محمود العواقب على وشك الحدوث…

 أتساءل، لماذا أنا هنا؟ لا أعلم، لكني أظل ناظرًا لانعكاسي، مستندا بيديَّ على الحوض، لمدة طويلة، لا أملّ منها، حتى ألاحظ تغيُّر ملامح وجهي في المرآة بالتدريج، إذ يُصبح أكثر شحوبًا، ويزداد شعري كثافةً وسوادًا، فتنفرج حدقتا عينيّ عن آخرهما. لما ألاحظ أن حوائط الحمام أصبحت رمادية اللون، ومشقَّقة، وملطَّخة بأشياء لم أعلم كنهها. أُصاب بنوبة رعب، ولا أعلم لماذا لا أقوم بالهرب! فقط أستمر في متابعة ما يحدث، وكأني أستمتع به، إلى أن رأيت ظلالًا غريبة تحوم من خلف انعكاسي، وانغلق الباب بقوة ففزع جسدي، واندفعتُ سريعًا لأفتح الباب، تعثرتُ قليلًا بينما أشعر أنه ثمة جيش من القُوى الخفية التي تكاد تتلبَّسني من الخلف، ولما انفتح الباب، وجدتُ ساشا مشنوقة على الحائط، تموء بحُرقة وهي تهز ذيلها كالبندول.

***

 يقولون إنه حدثت هزة أرضية بينما كنت أبيع أدواتي في المترو. كم أنا سعيد الحظ، لأن الزلزال كان شديدًا وتسبب في هدم عدة عمارات. كان من الممكن أن تكون عمارتي منهم، أو تكون أي عمارة أخرى من العمارات التي أتجول تحت مقاهيها.

 عملت كثيرًا اليوم في المترو، وبعت القليل من الأدوات، لم أقابل أيَّ متاعب، فقط أتمنى أن أنام نومةً هنيئةً، لأنني أشعر أنني لم أنم منذ زمن، لا أعلم لِمَ. لا، لحظة! أنا أتذكر شيئًا ما! هناك شيء ما مُرعب يتعلَّق بالنوم! نعم، إنه الحمّام!

 قمتُ من فراشي، وتوجَّهت إلى الحمَّام لأرى ما السر فيه! فربما قام أحدهم بوضع عمل شيطاني في مكان ما يجعلني أرى كل تلك الكوابيس. دفعت الباب، وفتحت النور، لم أشعر أن الحمام به شيء مخيف. إنه مجرد حمام والسلام! تذكرت الإضاءة اللعينة التي أُشعلها في كوابيسي باستمرار، فأغلقت النور الساطع، وأشعلت المصباح الصغير. وجدت أنه ما زال مجرد “حمام!” فطردت الفكرة من رأسي، وتوجهت إلى فراشي، وأقنعت نفسي أنها مجرد كوابيس، وأنني إذا حلمت بالحمام مرة أخرى فَلْأُضِئْ المصباح الكبير بدلًا من الصغير.. فلأضئ المصباح الكبير بدلًا من الصغير.. فلأضئ ال….

***

 أنهض من سريري، أشعر باختناق، وبأن هناك أمرًا جللًا وشيك الحدوث.. أتوجَّه ناحية اللوحة، فأجد المنظر الطبيعي قد تحول إلى صحراء مقفرة، أرفع اللوحة وأنظر إليها منبهرًا، كيف حدث ذلك؟! وبينما أنا ممسك بها أرى في انعكاسها على المرآة شبحًا أسود يمتطي حصانًا، يركض مُسرعًا نحو عيني.

 تهتز الغرفة هزةً عنيفةً، وتسقط اللوحة من يدي.. أُدرك أنه زلزال عنيف، أركضُ نحو باب الشقة، أهرع نازلًا على السلالم. لم يتبقَّ غير طابقين، هيا بسرعة، سينهار المبنى عليّ! بقي طابق واحد.. ما هذا! هناك طابق آخر! وآخر! وآخر! كلما أهبط، أجد المزيد من الطوابق! سينهار المبنى عليّ! إن الطوابق لا تنتهي! ما هذا العبث؟! هذا أول طابق ينقطع فيه النور، وبعده طابق بإضاءة بيضاء متقطِّعة، شكل السلالم يتغير بالتدريج، أراها منكسرة الأطراف، وهناك بعض الدرجات مُختفية، والجدران أصبحت صفيحيَّة يملأها الصدأ. أشعر باختناق. إن الطوابق لا تنتهي. لقد ضِعتُ في لا نهائية من الطوابق، وسينهار عليَّ المنزل! أظل هكذا حتى ألتف في الطابق المليون للسلالم الحلزونية، وأجد باب الحمام أمامي.

 أدفعه بيدي المُرتعدة.. أدخل الحمام.. المُضاء بالمصباح الأصفر الصغير.. الحوائط تتداعى من حولي وتتشقق.. ولا أجد انعكاسي في المرآة.. بل أجد بدلًا منه كلمة باهتة.. تسودُّ بالتدريج وتستمر في البروز.. ثم تنشرخ المرآة.. وأرى مكتوبًا عليها “أنت تموت”.

***

 استيقظتُ من النوم شاعرًا باختناق، لم أعلم السبب، ربما سندويتشات الفول والطعمية التي ملأتُ بها معدتي قُبيل النوم. اليوم راحة من العمل، والكهرباء مقطوعة.

 ظللتُ طوالَ اليوم أدخِّن السَّجائر، أشرب الشاي، أعزف على الكمان، أقرأ قليلًا على أضواء الشموع، إلى أن رجعت الكهرباء، وأول ما لاحظتُ هو مصباح الحمَّام الصَّغير، لقد نسيتُه مُوقدًا منذ أمس. دخلتُ الحمام، وما إن رأيتُ انعكاسي، حتى تذكرتُ كل شيء! سوف أموتُ قريبًا لا محالة!

***

 أجدُ نفسي في الحمَّام، أتأمل انعكاسي، أظلُّ مدةً طويلةً، إلى أن أرى عينيّ بيضاوين تمامًا، أُغمض عيني مرتعبًا، ثم أفتحها، لأجد فرشاة الأسنان موضوعة على الرف أسفل المرآة. إنها الفرشاة التي أبيعها، للأسنان الحسَّاسة. أُمسكها، أرى خلف انعكاسي شبحًا أسود يظهر بالتدريج، إنه الزبون الذي تشاجرتُ معه أول أمس!

 أدفعُه إلى الداخل وأهرب مُغلِقًا الباب، فأجدُه يقوم بتكسير الباب بأداتي المُعقَّدة متعدِّدة الأغراض، التي أصبحتْ أكثر ضخامةً كالفأس في يده. أركضُ داخل الغرفة، أصطدمُ بعدَّة حوائط، لا أجد منفذًا آخر؛ فقد أغلق باب الغرفة من ورائه. أهربُ منه، ومع كل ضربة من أداتي المعقَّدة تنفلت فتحطِّم جزءًا من الحائط، أو تكسر المرآة، أو تثقب لوحتي التي كانت صحراء مقفرة عاصفة، فتخرج الرياح إلى الغرفة مُحمَّلَة بالأتربة والحصى والرمال، أحاول أن أصرخ فلا أستطيع، أو أفتح النافذة فلا أستطيع. وقفت على السرير، قفزتُ مُمسِكًا بمروحة السَّقف، تعلَّقت بها وظللتُ أدور، وأدور، وأدور، بينما أرى الزبون المُرعِب من أسفل وهو يحاول في كل مرة أن ينال من جسدي.

***

 بينما أنا على فراش النوم، تذكرتُ كلَّ شيء! لا أذكر منذ متى تأتيني تلك الكوابيس اللعينة. ما إن أتذكرها حتى ينقبض قلبي. ربما هي السر في عدم نومي الآن. مهلًا، البارحة كان الكابوس عجيبًا قليلًا. كنت أهرب من زبوني الحقير، وحدثت عواصف، و.. تعلَّقت بتلك المروحة…

 وقفتُ على السرير، ألقيتُ نظرةً على المروحة. تفحَّصتُها. وجدتُها سليمة لا يبدو عليها أنني كنت مُتعلِّقًا بأطرافها، لكن ربما هي كذلك لأنها من النوع القوي، لقد ابتعتُها بثمن كبير على ما أذكر. هل سأجنُّ حقًّا؟! هل أنا مجنون؟!

 جلستُ مكتئبًا، وحيدًا، ساعات طويلة. يقتلُني النَّوم، أحاربُ لِئَلَّا أنام، فلن أموت إلا بإرادتي.. نعم.. لن أموت إلا بإرادتي!

 هممتُ بالقيام، ففتحتُ الدولاب، ومن قاعه أخرجت حبلًا سميكًا مجدولًا، اشتريتُه خصيصا لأنتحر منذ ثلاث سنوات، لكني تراجعتُ عن الفكرة بسبب استماعي إلى إحدى مقطوعات بيتهوفن، كانت تتجلَّى في رأسي، فحزنت إن أنا تركتُ العالم الآن، بينما يمكنني أن أستمع إلى تلك الموسيقى، في الأوبرا مثلًا، وهي فكرة، إن لم يعِش من أجلها المرء، فلأي شيء يعيش؟

 في العموم كنت أحمق حينها، فليذهب بيتهوفن إلى الجحيم. لن أترك الشياطين تقتلني، فإن كان لا بُد من الموت، فليكن بإرادتي!

 أحضرتُ الحبل، جلستُ على السرير، نظرت إلى المروحة طويلًا. منعني كسلي من القيام بفكِّها، وربط الحبل، إنها مُهمة ثقيلة.. وأنا.. في.. أشدِّ.. الحاجة.. إلى.. النوم…

***

 أنهض من سريري، أمشي بتثاقُل، متأملًا الغُرفة، ثم أدفع الباب برفق، أتوجَّه إلى الحمام، أفتح المصباح الأصفر الصغير، ثم أفتح صنبور المياه قليلًا، وأظل ناظرًا إلى انعكاسي طويلًا، ثم أسمع صوت ساشا، بينما تتحوَّل معالِم وجهي إلى قطة سوداء تموء عاليًا. أنظر للأسفل، فأجد لأصابع يدي مخالب طويلة، وشعرًا كثيفًا، وأحيانًا أرى ليدي اليُمني إصبعا زائدًا عالقًا، وفي اليسرى إصبعًا منقوصًا.

 أرفعُ يدي لمستوى نظري، مُرتعبًا، أجدني أنهشُ وجهي بمخالبي، بينما انعكاسي يضحكُ بقوَّة، صارخًا كالقطط، أظل أقطِّع في وجهي، ولا أستطيع أن أصرخ.

 ظللتُ هكذا إلى أن لمست يداي الماء بالصدفة، وهبشت وجهي مرةً أخرى بيدي المُحمَّلَة بالمياه…

 حينها.. شعرتُ بحالة غريبة.. وهي حالة الإفاقة…

 وجدتُني واقفًا في الحمام، يداي طبيعيتان، انعكاسي طبيعي، وكل شيء طبيعي! لقد استيقظتُ!

 أضأتُ النور الأبيض الساطع، غسلت وجهي بالماء جيدًا، ثم ضحكت كثيرًا.. وتوجَّهت إلى الغرفة. نظرتُ إلى الساعة، كانت الثانية بعد منتصف الليل. جلستُ على السرير غير مصدِّق نفسي، ظللتُ مشدوهًا كثيرًا، ثم علمتُ ماذا عليَّ أن أفعل.

 قمتُ بإغلاق كل مخارج ومداخل المنزل بالمفاتيح، بما فيها الحمَّام، ووضعتُ المفاتيح فوق الدولاب، بينما تركتُ ساشا في الصالة، وأغلقتُ النوافذ، ثم أحضرتُ الحبل السَّميك المَجدول، ووقفتُ في منتصف الحُجرة، ناظرًا لأعلى، إلى مروحة السَّقف، متأملًا إياها طويلًا… وضعتُ الحبل جانبًا، ثم صعدتُ فراشي، وهممتُ بفكِّ المروحة، ووضعتُها على الأرض، ثم أمسكتُ بالحبل، وضغطتُ عليه بقوة، عازمًا أن أُنهي تلك المهزلة.

 لففتُ الحبل حول السرير، واستلقيتُ تحتَ الحبل، ربطتُ نفسي بقوة، واستعددتُ للنوم. أنا أعلم أنني ربما سأجد طريقة لفكِّ الحبل عندما أمشي أثناء النوم، ولكني لن أجد مروحة لأتعلق بها مرة أخرى، ولا حمامًا لأضيء مصباحه المخيف.. هيا، فلتأتي إلى عريني أيتها القُوَى الشريرة!

ــــــــــــــ

من مجموعة “10 محاولات فاشلة للانتحار” للكاتب أحمد الصادق، الصادرة عن منشورات الربيع

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *