رواية البطريركية .. الفصل الأول

1

 

عرفتُ أبي وعُمري يتقدَّمه.
قابلته صدفة وسط الصبيان المُنضمين معي إجبارًا إلى البطريركية. خمّنتُ من تقاطيع وجهه أنه يصغرني بقليل. هو لم يقل إنه يعرفني، عرفته أنا. ربما أنا منْ حملتُ سنواته، أو حملَ سنواتي فجأة. المهم أنني ألفيتُ نفسي معه في طور حرِج جدًّا من حياتنا نحن الاثنين. وما جعل ملامحه تستحوذ عليّ بمجرد رؤيته، وهو لا يزال شابًّا؛ إنها لم تخالف صورته كثيرًا حينما صار زوجًا لها. أما الآن، فنحن قبل ابتداء الأشياء؛ قبل ذلك اليوم البعيد المشئوم الذي قابلها فيه لأول مرة وهو يرصّ أتواب القماش في الدكان على البكرات الدوّارة. قبل أن تلكزها صديقتها بحماس شرير كي تخبرها بأمر ذلك البائع النحيف الذي لم يُنزِل عينيه من عليها منذ دخلتا المحل. قبل أن يضع القسيس يده على رأسيهما المتوّجين بإكليلين ذهبيين داخل الكنيسة، وسط حشد من المدعوين المُغفلين، كي يدمج مملكة السموات بالجحيم.
قبل أن يحقق في فرجها أول إنجاز صبياني له بعد خيبته المريرة في الثانوية. قبل أن يغزو سهمه المنوي قمرها لتنفجر بويضتها الكونية، وأتطاير منها في مشهد لا تقل آثارُه عن الانفجار الأعظم. قبل أن تتشكل على الملاءة ليلتها خطوط دقيقة من الدم، تشبه الفوطة التي طبعتْ عليها «ڨيرونيكا» تقاطيع وجه المسيح وهو في طريقه إلى الصلب… باستثناء أن كَفَني أنا تشكَّلت ملامحه قبل مجيئي أصلًا.
نحن الآن قبل أن أكون، وهذا يعني أنني لو قتلتُ أبي، سأهرب من البطريركية التي احتجزوني فيها معه، وسأتزوج من أمي بدلًا منه.

في البدء كان الغضب، غضب في الجنس حتى، ولّد ابنا مشتتا. وبمفهوم مسيحي؛ من يولد من أبوين لا يتحابان، فهو ابن زنا. هو ذا أنا! بطريقة مقننة وإنجيلية. كذلك بقية التفاصيل، تم تمريرها وتقديسها؛ والدليل أنهم رموها على المذبح ليلتها وهم ينشدون ترانيم العُرس، بينما أنا في أعماق بوتقتي الخاصة، أحترق بلهيب نرجسية والديّ، ولا تصلني من أصوات هذه الشعائر الكنسية في ليلة زفافهما، سوى أصداء واهنة، تبهتْ على جدران قلايتي الصخرية التي بالكاد تستوعب جسدي.

***

نظرًا لبلوغي السن المطلوبة تم ترحيلي إلى البطريركية. وهناك، في بناية تقشرت جدرانها ومقاعدها وصدأت مقابض أبوابها، وفي عنابر معبّقة برائحة الملح، وليل لا يهدأ على ڨالسات الموج، قابلت أبي. لم يُلق عليّ حكمة من بين شفاه تيبَّست وأسنان اصفرَّت، ولم يدلني على كنز مدفون أسفل سجننا. غير أنه أمسك بيدي وأشار إلى محنتي قائلًا: «هذه جنتُك… ولا أطردُك منها، بل في داخلها موتًا تموت!».
من حسن حظي أننا لم نتواجد في عنبر واحد معا. كنت أخشى أن يستيقظ ليلًا ويقحمه في مؤخرتي. لطالما استيقظت أيام كنت طالبًا جامعيًّا، قبل أن آتي إلى هنا، شاعرًا بألم في ثقبي. كنت أظن كل صباح أنه اعتلاني ليلًا وفعلها، لكني ترددت في كل مرة فكرت أن أسأله فيها.
كما خفتُ أن يتهمني زورًا عند القومندان بأني أحاول صنع تجمهُر وسط الزملاء، كمحاولة منه لتحقيق انتقامه أخيرًا الذي صدّته ماما عني طوال سنوات حياتي في بيتنا. لكن هنا لا توجد ماما، ولا أي امرأة. أنا وهو فقط! وهذا من شأنه أن يصنع حياة حقيقية. بعيدة عن أي توهمات يسكبنها مثل زلال أرحامهن على رؤوسنا.
حينما رأيته في سنه الصغيرة هذه لم يخب تصوري الذي أنشأته له منذ اللحظة التي أوقدتْ فيها شجاراته معها خيالي. فكما يقولون: المبدعون يحركهم دومًا الألم. وأنا على سبيل المثال، ما سبباه لي من طفولة مضطربة حقق لي دعمًا خياليًّا هائلًا، مثل اختراع عبقري تُرك في غرفته لأزمنة مديدة أبطلتْ سحره الآني… ألفيت أبي أسمر البشرة، ضخم البنيان، كرشه لدن يتموج مع أي حركة. له قضيب مرتفع حتى وهو خامل. كنت ألحظه بارزًا أسفل ترينج الرياضة الذي وزعوه علينا في أول يوم. كما رأيته بنفس مشيته العرجاء التي كان يعود بها للمنزل حاملًا أكياس التموين. وبسوستة التبوّل إياها المفتوحة دون داعٍ. وجزمته الضخمة المهلهلة ذات الرباط المفكوك دومًا، تمامًا مثل أحذية الموظفين الجلدية التي كان يعود بها من سوق السمك وقد تلطخت بالوحل.
يتكلم مع الزملاء هنا بنبرة تناسب جسده الهمجي وبشرته الفاحمة وأصابعه الضخمة ضخامة قضيبه، التي لا يتوقف عن التشويح بها. ومع ذلك، عيناه كانتا ساكنتين، كأنه تركهما في محجريهما منذ اُلتقطت له تلك الصورة بالأبيض والأسود، التي تتطابق ملامحه فيها مع صورتي الملونة، التي أخذوني لتصويرها عندما بلغت نفس سنه… لم أره هنا وهو نائم في العنبر، لكني تخيلته كعهده في بيتنا: مفرشخًا رجليه، ينفث من بينهما كل ما تحمَّله اليوم. وأحيانًا ينقلب على وجهه فتسخر منه ماما أمامنا: «تزوجتُ أوتوبيسًا انقلب». يشخّر وفي نهاية كل شخيرة يتراجع كأنه يشخُر. يتراجع كأنه ليس بنائم، بل هو الجبان الذي ألفته دومًا!
في طفولتنا، أخي الأصغر مني أخرج ذات مرة ملصقًا ملونًا من كيس الشيبسي، مرسومة عليه شخصية كرتونية لرجل يشخّر، فألصقه على الدولاب بجانب السرير الكبير الذي كان يعتليه بمفرده، في غرفة يسكنها وحده. لأنه كان يعتزلنا ولم يكن يمنح ثِقلًا لأحزاننا وأفراحنا، ولما كبرتُ عرفت أننا نحن من اعتزلناه. لكن كيف استنكرت أمي إغفاله لمشاعرنا، في الوقت الذي أسقطناه هو نفسه من حياتنا! كان يعود أحيانًا في المساء فيطل على عالمنا المتمثل في غرفة المعيشة تحت أضواء التليفزيون المتروك، كضيف بغيض في رأيها، وكمسخ في مخيلة إخوتي. وللمفارقة، كان جنون الاضطهاد يعتصر الذئب يومها، أكثر من الحملان!
كان يستلقي بجسده كل ليلة على فراشه في حجرته، كأنه منبوذ في مستعمرة جذام، يشاهد على التليفزيون ما يصادفه دون إصرار على فقرة بعينها؛ قد تكون مباراة يُعاد بثُّها، أو فيلمًا أيًّا كانت ألوانه وحقبة صناعته، أو مقابلة بين شخصيتين بارزتين، لا يعرف وظيفة أو منصب أيٍّ منهما.
ومثلما لم يأخذ حياته بنضج وجدية، لم يصدر عنه مرةً أي رد فعل تجاه ريموت التليفزيون.
لم يكن بشكل عام من ذَوي الشغف، سواء الثابت أو المتغير. لم تكن له هواية. ولم يراوده طيش جامح كالأحلام الصبيانية التي تصيب أي مراهق. حتى حينما تزوجها، لم يكن يقصد شيئًا. تخيلوا! حينما أتى بي إلى هذه الحياة، لم يكن أبي يقصد شيئًا! كأني نتيجة اعتباطية لعملية حتمية وسط بلايين العمليات التي لا تكترث لحاصل مُجرّد؛ هو اسمي!
باستثناء أني مربوط بحيوانه هو، لا ببيضتها هي. أي أنه كان سينتجني بشكل جبري. وهذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن أعتبره موضع امتنان له. أنه جلبني لا جبلني. وعلى عكسه، وجدت غاية سامية لحياتي منذ أول يوم… أن أنتقم منه.
في وسعي تخيُّل ليلتهما الأولى: فبمجرد أن انتهيا، انتفخت بطنها فجأة وانطبعت عليها آثار يديّ، وارتفع صوتي من الداخل بينما أحملق في ذلك الخندق الطويل الذي سيتوجَّب عليّ أن أقطعه للدنيا، فصرختُ وأنا رضيع من بطن أمي قائلًا: «إذا سرتُ في وادي ظل الموت، لا أخاف شرًّا». فنهض هو من فوقها ووضع يده على فمه مشدوهًا: «يا الله! كنت أظن أن الأمر سيتوقف على إدخاله، ما أدراني أن للأمر تبعات، ماما أو الكنيسة أو أصدقائي المنحرفين في الحي لم يخبروني بشيء عن هذا».
وطبعًا التهمة لن تطوله وحده! لأنها بدورها استمتعت. ولعل نظرتي الدونية لها جعلتني أثمِّن تأثير البطريركية على تكويني في الفترة المقبلة، إذ ستدعمني كثيرًا في الاغتسال من أمي، مثلما ينظفون المواليد من تلك الرواسب اللزجة التي تغطيهم لحظة خروجهم.
أنا لا أشفق على سذاجته التي دفعته أن يغرز عاجه البُني ببراءة في لحمها الأبيض، متخيلًا بدوره الحيواني أنه يُسدي خدمة لله. لا أراه مَقلبًا تورَّط فيه ولا أشفق عليه؛ لأنه في طفولتي نعتني ذات مرة بالخول. والمشكلة أني لم أكن أعرف وقتها معناها، لكني كنت أسمعها في الشارع والمدرسة، وكنت أعرف أنها شيء جلل، لا يمكن أن ينعت به أبٌ ابنَه أبدًا. ومرة أخرى رش فيها جدتي بمبيد الحشرات حتى سقطت فاقدة الوعي. زد على ذلك أنه كان بخيلًا جدًّا. أو ربما على حسب قول لجنة المُحلِّفين البطريركية: لم يحبنا بالقدر الذي يجعله معطاءً معنا. وكان دومًا يسخر من ملابسي لأني لا أقلده، ولأني تفوقت عليه في دراستي، بينما تعرض هو لمِحنة في الثانوية ظلت عُلّيقة مشتعلة في حياتي.
كما يحكون كيف وأنا رضيع كدت أنسلت من بين يديه كالماء، بينما كان يرفعني لأعلى كي أطّلع على بنت الجيران، معتقدًا أني بذلك سأكفّ عن الصراخ… ربما كفّ هو!
كان يضربها، ولم يكن يضربنا إلا إذا حاولنا منعه. أعتقد أنه لم يكن يقصد أذيتنا لأنه لم يكن يبدأ أصلًا بالهجوم عليها. كانت هي أولًا تقذفه بالشبشب أو بتمثال لأحد القديسين، أو تصفعه على وجهه، فيهوي بقبضته على حاجبها، فتبكر للعمل بجفن بنفسجي منتفخ، كأن زهرة «تيتان» قررت أن تنبت في هذا الموضع من جسم أمي. تقابل بها مديريها في المدرسة الذين أعجبت بهم واحدًا تلو الآخر، مُمتنةً لهيئة الفرنسيسكان التي قدمت لها باقة متنوعة من الرجال الچنتلمان، غير المتوفرة في مزهرية بيتها.
كان يطوّح بأطباق الصيني، أوراق مذاكرتي، براويز القديسين. يقذف حُليها ويدهسها بجزمته. بمقدوري أن أسمع كل شيء من موقعي هنا أسفل الترابيزة. ثم يندفع نحو تسريحتها فأسمع زجاجات العطور وهي ترتطم بالأرض واحدة تلو الأخرى، بينما تنشط روائحها الثقيلة في كل أرجاء الشقة، رحيمة بنا نحن الصغار وسط هذه الحرب التي لا نبلغ القامة الكافية كي نتوسط بين طرفيها ونفصل بينهما. وفي الختام يفتح باب الشقة ويصرخ في بئر السلم كي يأتي أي جار وينقذه من زوجته الشرموطة، ومن أولادها الذين سيقضون عليه بمصاريفهم.
اعتاد أن يضاجعها مقابل مصروفنا، حتى إنه في مرات كان يمتنع عن الدفع حتى تدخل غرفته. وفي مرحلة أخرى بدأ يقولها علانية أمامنا دون أي مداراة: «مش هدفع إلا لما تنام معايا!». وبذلك صارت أمي هي أول مومس أراها في حياتي. وإن كانت عاهرة مُحنَّكة، فقد كان زبونًا غبيًّا لدرجة دفعته أن يدفع مالًا مقابل شيء يملكه في الأساس.
ولمّا توقف عن استدعائها لغرفته فترة، شرع يغيب في الحمام. فدخلتْ عليه مرة لتجده ينزع شعر عانته. عرفتْ أنه ذاهب للقاء إحداهن. لم تندهش. أما هو فكادت قدماه أن تنزلقا مثل مراهق. كان يغيّر محطة التليفزيون بمجرد أن أدخل عليه غرفته. وعندما كان يجلس معنا على مائدة العشاء، وهو أمر لم يكن يحدث كثيرًا، كانت جدتي تلحظ عينيه المسمّرتين على المذيعة، بشعرها الزعفراني وصدرها الأكثر ارتفاعًا من تضاريس البلدان خلفها. وفي نهاية يومه المتوتر، وبحماس شديد، كان يأنس إلى فراشه على ضوء التليفزيون المتروك، دون أن يتكاسل مرة عن دفع يده أسفل بنطاله، وإيقاظ إلهه الخامل.
كان يوقظ إلهه، ولو بغرض التسلية.

رواية البطريركية، للكاتب مارك أمجد، الصادرة عن منشورات الربيع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *