رواية طريق الحلفا .. الفصل الأول

مثلَ ساحرٍ، نفخ بائع “الجيلاتي” في زمارته فتسربت منها الأنات الحادة معلنة حضوره، وتسارعت الأقدام الحافية ناحية أول الدرب، وهتف أحد الصبية: بكم الواحدة يا عم؟، وأجاب العجوز شاحب الوجه الذي يتكئ على عربته الخشبية وحماره: بخمسة صاغ، أو بحذاء بلاستيك، أو بصحن ألمونيوم قديم، أو بعظام، واستدرك: لكن عظامًا كثيرة.

سال لعاب الصبية عندما أخرج العجوز قمع بسكويت من كيس بلاستيكي وبملعقة مدببة وبخفة يده وضع عليه الجيلاتي بلونه الأحمر المرمل فذابت الحلاوة فوق البسكويت، وانطلقت السيقان النحيلة للصبية في طريق الحلفا حتى وصلت الجبانة القريبة، ومثل كلاب برية صغيرة أخذوا ينبشون بأيديهم وأقدامهم خلف منامات الموتى وتحت حواف القبور عن عظام تصلح أن تكون ثمنًا لقمع جيلاتي.

 

بلا أثر

بالله اعملوا قبر المليح مليح

شباك بحيرى يخش منه الريح[1]

“فاضل” الذي ترك المدينة وهرب من المستشفى كي يموت وسط الذين ظنهم أهله، مات في وقتٍ صاخبٍ لا يلائم هدوءه الذي عاش به، كأنما جاء من شقته الواقعة على أطراف مدينة بعيدة ليتحول إلى حكاية مُرة مرارة قهوة راكدة يشربها يتيم، “فاضل” بعد صمته الطويل وحضوره الهادئ امتلك يومًا سُمي “بيوم فاضل”. الذي حدث في ذلك اليوم الغريب سوف يظل الناس يتحاكون به على مر الزمان؛ ففي القطارات الخربة التي تُخزِّن على جانب السكة الحديد عند الفجر، وفي الصمت المفجع وعندما يشتد البرد ينبت صوت من بين الكراسي الخشبية المهترئة ليحكي عن القلوب الميتة التى يتسرب منها الدم العفن، وفي ساعات العصاري على رمل النيل الأبيض والصيادون يستعدون بشباك صيدهم يقولون ويعيدون في الحكاية ويضيفون ويحذفون، وعندما ينتصف الليل على ولدين يرويان الأرض يقول أحدهما:

– هل تذكر في ليلة مشابهة ما حدث لفاضل؟

فيقاطعه الآخر في حشرجة تليق بالحكاية:

– دع الليلة تمر لا تنقصنا حكايات الوجع.

 الأمهات، فقط، يخبئن جزءًا من الحكاية عن أطفالهن حتى لا تيبس قلوبهم.

**

تسرب خبر موت “فاضل” مع هديل الحمام الحزين بعد الفجر، وقبل أن تعرف الشمس شيئًا عن رحيله كان كل الخلق في كل الدروب المحيطة يعرفون، قالوا: مات بعد صلاة العشاء، لكنهم كتموا الخبر حتى الصباح، وعندما بكت زوجة عمه نهرتها جدته: لا بكاء بالليل، يكفى ما به من شقاء فلا تحرقي الولد بدموعك.

 فأنَّت النساء القليلات القابعات حول السرير الذى يكاد يكون فارغًا إلا من رهبة الموت، وجلست جدته عند رأسه وهمست في أذنه بكلمات، ولمحت النساء المنتشرات في الغرفة الدمعات الغاليات تنزل على الخد البارد، ظلت قرابة الساعة حاضنة للرأس المستسلم ومغمضة عينيها، حتى قلقت النسوة وظنن روحها فارقت معه، ومع هذا لم تقو واحدة منهن أن تلمسها أو تهزها أو تنبس بحرف.

بكته كل امرأة كانت تدفس كنكة الشاى في دمسة النار وهى تهدهد طفلًا يقاوم النعاس، وبكته البنات المخفيات وجوههن في الوسائد كلما تذكرن لمعته وبريق عينيه، ونزل سهم الله على الرجال العاجزين خلف أبوابهم لا يفارقونها، فلا أحد يستطيع في هذا الصباح الملبد بالحزن أن يذهب حتى إلى أول الدرب.

مر الوقت بطيئًا على النساء اللواتي يضعن المتاريس خلف البوابة الكبيرة، ثم فاحت رائحة الموت واقتحمت كل الدور في وقت واحد، فهب الرجال واقفين، وقبل صلاة الظهر كانوا يجلسون في الدرب يناقشون كيف سيذهبون به إلى الجبانة وبيت “سليط” يتربصون بالطريق، فلم يمر سوى أسبوع واحد على مقتل “سلمان سليط” على يد “خضير حمدون” عم “فاضل”، ولا يزال دم القتيل دافئًا في القبر.

المجتمعون لمناقشة كيفية دفنه لديهم ثلاثة اقتراحات؛ الأول ذهاب وفد محايد ليحدث “سعد سليط” عن حرمة الموت، فرد عليهم وهو جالس لم يعتدل كما يليق بحديث تسكنه الأرواح: حدثونى عن حرمة الغدر.

كان الاقتراح الثاني أن يدفنوه في البيت، تحت شجرة الفيكس، فبكت النساء، ربما خشية من أن وجوده طوال النهار في البيت سيكشف أسرارهن الصغيرة.

والاقتراح الثالث أن يعبروا به النيل للضفة الغربية، فيعطون الجبانة ظهورهم ويدفنونه في بلاد الغرب، فتمتم الرجال: وكيف نهيل عليه التراب الغريب؟

ظل الجسد ممددًا على السرير طوال النهار، كانت رائحة الموت تسري في البيت وتصبغ كلَّ شيء حتى الكلام القليل الذي يمر كشبح بين اثنين يهمسان في حيرة لا يحسدان عليها في هذا الموقف الصعب، فحين ما حل الليل – وللمرة الثانية في أسبوع – قرروا أن يركبوا طريق الحلفا المهجور التي تسعى بهم للمقابر وترسم طريق الجبانات.

تمَّ كل شيء على عجل، نفر قليل مسلحون يتقاطرون خلف النعش الذي يهم مسرعًا ربما خوفًا من الليل المصلوب في كل مكان، يحبس الواحد منهم أنفاسه، فهو لم يخرج إلا مكرهًا، يتمنى الواحد فيهم لو لم يكن موجودًا في ذلك اليوم، أن يكون مسافرًا غائبًا في بلاد بعيدة كان سيدَّعى البطولة ويصيح فيهم: “كيف تخرجون بابن أخيكم في الليل؟ أيها الجبناء لو كنت هنا لحملته على ظهري في قلب النهار، ومررت بنعشه الطيب أمام بيت الملعون سليط”، لكنه وهو هنا الآن يتوارى بين النفر القليلين الذين أخرجهم العار وخشية أن تفوح رائحة الجسد الذي حتمًا سيفسد وتملأ بيوتهم ولن تخرج منها أبدًا، يسيرون منكسي الرؤوس يمرون أمام شجرات السنط والصبار التي على رأس الجبانة، كان القبر جاهزا وفاتحا فمه في انتظار فاضل.

 بعد أن وسدوه التراب الناعم، ونزلت عليه الحجارة والحصى ومرر أحدهم يديه على الرمل، وقرأ ما تيسر في نفسه، استعجله آخر وهو يلكزه في كتفه: قم يا ابن العم دعنا نرى النور في هذه الليلة التي ليس لها آخر.

وتقاطر النفر القليلون على طريق الحلفا عائدين، يفكرون في الجنازة التى تقتضي أن يظلوا ثلاثة أيام في الشارع يستقبلون المعزين، وتجعل صدورهم عرضة لرصاص بيت سليط الذين لن يُقدّروا حرمة القرآن الذي سيتلى.

**

ربما راحوا في نوم خفيف وربما لا، لكن المؤكد أنهم جميعا دخلوا ديارهم وأنهم استلقوا على فرشهم، وربما أجاب الواحد منهم عن سؤال ألقته عليه امرأة صوتها مشروخ من الحزن عن مكان القبر: كان دفنه بين أمه وأبيه.

**

 الفتى الذي جاء كي يموت عند الذين ظنهم أهله لم يكن يعلم أنه سيذهب بلا أثر، فقد امتلأت الباحة الخارجية بهم وبالخبر الذي تسلل إلى مضاجعهم كنعيق غراب، وكندهة بومة مشوهة من على نخلة خربة القلب، الخبر الذى استقر في قلوبهم كرصاصة جعلهم يسقطون أسفل الحيطان المتهالكة التي تهدلت الآن أكثر، واصطبغ الدرب بلون التراب، وسرت في المكان رائحة الجسد المحترق.

– بيت سليط أخرجوا “فاضل” من القبر وحرقوه.

كلمة قالها صبي يجرى في الدرب لا يعرف مدى ثقلها على النسوة المنتحبات اللواتي يبست قلوبهن الآن، ولا على الرجال الذين نزت أجسادهم بالعرق واشتعلت النار التي أحرقت الجسد المستكين في أرواحهم، الجسد الذي نبش عنه أبناء سليط التراب المبتل بالماء وطرحوه بجانب الحفرة المتهدلة، ربما وقفوا حوله مترددين، ربما همس واحد فيهم أن تراجعوا، لكنهم حسموا أمرهم في النهاية، وتصاعدت رائحة البنزين مصحوبة برائحة احتراق اللحم، ومن بعيد أبصر رجلٌ كان يفتح شباك بيته مصادفة النار فظنها تهاويم ليل، أو ظنها كرامات وليّ، قبل أن يفيق على صوت الرصاص الذي انطلق إلى قلب السماء والنار التى زاد اشتعالها.

**

الغريب أن خضير حمدون عم فاضل وجدوه بعد أيام قليلة ميتًا على قبر “سلمان سليط” منكفئًا على وجهه يسيل الدم من عينيه وفمه، دون أي أثر لجرح ظاهر في باقي جسده، ويومها أقسم سعد سليط أنه لم ير “خضير” ولم يقتله.

 لم تحزن “العايقة” زوجة خضير حمدون كما توقع الناس، ظلت “كحلتها” تسيل على رقبتها المشرعة وأثر ابتسامة على جانب فمها، فظنت أُم خضير أنها “الفاعلة” فطاردتها بنظرة يسيل دمها من الغضب:

– آباؤك قتلة يا سليلة الدم دسست على ولدي وقتلته.

**

هذا الكلام ليس بداية الحكاية.. ولا حتى نهايتها

 

[1] – عديد صعيدي.

— 

رواية طريق الحلفا، للكاتب أحمد إبراهيم الشريف، الصادرة عن منشورات الربيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *