رواية الراهبة الغجرية .. الفصل الأول

قبل الموعد بموعد

 

الليل امرأةٌ بمعطف أسود طويل تسدله علينا، وتعلِّق مصباحًا أصفر فوقنا يشع ضوءًا وظلالًا، تخبئ تحت معطفها كل الرغبات الجامحة والأحلام التي تتملكنا. تسكرنا بالذكريات، تجعلنا نبكي، نحب، ونتذكر الراحلين. لو كان الليل إلهًا وثنيًّا لقدَّموا له عاشقيْن أمسكهما الناس، وهما يخطفان قُبلةً في ضوء القمر وهو يُغوي البشر بالحب.

 تتبَّعته فتحية دون أن يدري. كان ذاهبًا كالمعتاد ليلةَ الخميس إلى أصدقائه، حيث يتبارون في إبراز تفوقهم، وقد دأبوا منذ شهور على التسابق بعرباتهم الكارو، التي تجرها أحصنتهم. هذه المرة لم يستطع أحدٌ تحدي مالك؛ فقد فاز بالسباق في آخر خمس مرات. صرخ فيهم: من يستطيع هزيمتي هذه المرة؟ قال جملته وهو يُعدُّ الحصان للسباق. فألبسه الشكيمة بين فكيه، ثم مرر اللجام من الحلقات الدائرية، وأحكم وضع السيور على ظهره. وشدَّها جيدًا بيديه. تضاحكوا، تغامزوا بأقوال كثيرة، ليهربوا من الحقيقة التي يدركونها تمامًا. لا أحد يستطيع مجاراة مالك إذا تعلق الأمر بالأحصنة والتحدي! إلى أن دوى صوتٌ أنثويٌّ. رَعد لحظة بينهم. كانت فتحية.. التفت مالك فوجدها بقامتها المنتصبة، وابتسامة هازئة. خفتت الأصوات والضحكات، وحلَّ الصمت. ترك مالك اللجام، واتجه إليها بحاجبيه المرفوعين ويديه اللتين تمشتا على شعر رأسه، بحركات بطيئة، ليستفسر أكثر عن وجودها المفاجئ. ردَّت وهي تبتسم تلك الابتسامة السابقة: أنت عرضتَ الرهان، وأنا قبلتُ.

دوَّت صافرات العربجية، تغامزت الأعين والألسنة، شجَّعوا فتحية، وطلبوا من مالك قبول الرهان. الإثارة بدأت، يبدو أنهم وجدوا ضالَّتهم لكسر الملل، ونجاتهم من معايرة مالك بعدم وجود الخصم الكفء له. ضحك لهم وهو يحاول إخفاء الدهشة، فكَّر لثوانٍ ولمعت عيناه: لم لا. اقترب منها، وابتسامة لزجة على وجهه وهو يعكس ضوء القمر اللامع، وبعضًا من إضاءة أعمدة النور الحديثة الموجودة على طرفي الطريق الجديد، الذي يصل للمنطقة حديثة الإنشاء، “مدينة نصر”. أكمل الحديث، بصوتٍ خافت، لو فزتُ ستكونين مدينةً لي بقُبلة. هذا هو الرهان! حافظت فتحية على الابتسامة، رغم أن خدَّيها تخضَّبا بلون أحمر لم يظهر في الليل الرمادي. ابتعدت عنه قليلًا، وأطلقت صوتها ليسمع الجميع: وماذا ستُعطيني إذا هزمتك؟

ضحك مالك، وأطلق رفاقُه الصافرات. سكت قليلًا ثم قال: أي شيء. أي شيء يا فتحية.

  • تعطيني المهرة ريحانة. وأصبح حُرة التصرف فيها يا حلو.

امتلأ فمه بالمرارة، وبدا له أنه يجب أن يأخذ الموضوع بجدية أكثر، ولا يستهين بقدرات فتحية. زمَّ شفتيه وأعرض بعينيه عنها وقال في حزم:

  • ريحانة ليست مجالًا للرهان.

مع جملة مالك الحازمة، ورغم غيرة فتحية الظاهرة من ريحانة، إلا أن جزءًا كبيرًا من حبها لمالك جاء من حبه لريحانة. كانت تعرف أن هناك احتمالًا كبيرًا ألا يوافق على هذا الرهان، وحفاظًا على كرامتها أعدَّت رهانًا آخر. قالت وهي تغمز له بفطرة غجرية: إذًا دعني أفكر في شيء آخر إذا هزمتك. أدار رأسه بين الموجودين، وهو يضحك، مادًّا فوهة فمه الواسعة للأمام: اتفقنا، إذا هزمتِني. اطلبي ما تريدين.. وقبل أن ينتهي، خلعت صندليها ورمتهما بتشويح قدميها، فغاصا في الرمال، وجرت إلى عربة الكارو التي كان يُعِدّها مالك.

أمسكت اللجام المنسدل من رقبة الحصان الأسود. ألهبت ظهره بالسياط وهي واقفة على الخشبتين الواصلتين بين العربة والحصان. ثنت أعنة الحصان، ووجهته بسرعة ناحية الطريق الأسفلتي الجديد، فتحرك كالريح، وسط تصفيق وتهليل من الموجودين. انبسطت ملامح مالك أكثر من فرط الدهشة والانبهار بفتحية. صرخ وجزَّ على أسنانه وهو يقفز فوق عربة كارو أخرى خاصة بأحد الواقفين، ضرب السوط على الأرض، فصدر صوت فرقعة سمعها الحصان، فهبَّ هو الآخر: لن ندع زوجة المستقبل تهزم زوجها هكذا.

القمر مكتمل، وسنابك الحصانين تصطكُّ في الأسفلت، ونسمات الصيف تضرب وجهيهما؛ فتحية تمسك اللجام بقوة تُخفي التوتر. مالك يظهر خلفها بجسده الفارع وقميصه مفتوح الأزرار، بشعره الطويل. ترك لفتحية المبادرة، لتسبقه ببضعة أمتار. أرخى اللجام قليلًا عن رقبة الحصان حتى لا يزيد سرعته، يُحدِّث نفسه: ليس الآن. ليس الآن. لم يحن الوقت بعد لإبراز قوتك أمام هذه المبتدئة أيها المهر الخبير.

فتحية التي تريد الفوز بهذا السباق بأي طريقة، من فرط توترها لم تحسب حسابات هذا السباق جيدًا؛ سرعة المهر ومجهوده ومسافة السباق المحدد له ثلاثة كيلو مترات. يخبط الهواء المنعش وجهها. بين فينة وأخرى تلتفت للوراء لتتطمئن على فرق المسافة بينها وبين مالك، تحيرها ابتسامته التي يطلقها عندما تنظر إليه! تضغط أكثر على أعنَّة الحصان فيزوم ويسرع، وغبار الرمال يتصاعد ويغبش منخريه بقوة. كانت مبارزة كلاسيكية بين عاشقين. ورغم هذه المبارزة التي توجد في كل علاقة بين حبيبين، يظل هناك هذا الشغف الذي يغطي قلبيهما كموسيقى جيتار يعزف لحنًا غجريًّا قديمًا على خلفية المشهد الرومانسي، على هذا الأسفلت المتحجِّر. الريح ترفع أطراف فستانها المزركش، فتظهر قدماها حتى فخذيها، وشعرها الأسود الطويل يتطاير من خلفها كشالٍ حريريٍّ يمتد من رأسها ويتموَّج في الهواء. كم سَحَرَ هذا المنظر مالك، قبل أن يفيق بغتةً لدى إحساسه بأن الوقت حان. سمعت فتحية صوت مالك، وهو يحثُّ حصانه: الآن أيها الفحل، لترى الفتاة قوتنا..

شد أعنَّة الحصان، بقوة، فاشتدت السيور الجلدية على ظهره. جر العربة بقوة كبيرة وزادت السرعة، وقارب على اللحاق بفتحية ومهرتها. تعرف فتحية أن النقطة المحددة للنهاية قد اقتربت، فتشد أكثر على اللجام، تحاول المهرة زيادة سرعتها، لكن دون جدوى، ففهمت فتحية مغزى تباطؤ مالك في البداية، وكيف أنه ادخر مجهود حصانه للحظات الحاسمة، فأطلقت صرخة غيظ.. وانحرفت عن الطريق على مقربة من الرمال، ولكن لم تغادر عجلات العربة الأسفلت. نظر مالك بطرف عينه للوراء، فوجد فتحية ركنت عربتها الكارو على جانب الطريق، وقد تبدَّلت ملامحها للضيق، فشعر أن هناك خطبًا ما. اتجه لها مالك، وهي تمسك ذراعها تتلوَّى من شيء ما بها. ترجَّل عن مركبته وصرخ عاليًا: فتحية هل أنتِ بخير؟ وقبل أن يقترب منها بمسافة صغيرة، نهضت فجأة، وأمسكت سيور لجام الحصان، وضربتها ضربة قوية على ظهرها، فتحركت المهرة من راحتها التي احتاجتها وفهمت مقصد قائدتها، وتحركت سريعًا. أطلقت فتحية ضحكة عالية، ونظرت لمالك وعلامات النصر تلوح على وجهها. فضحك مالك على خدعتها محدثًا نفسه: آااااه يا للجمال! وانطلق نحو عربته محاولًا اللحاق بها. عطَّلته الرمال التي انغرست فيها عجلات عربته.

وبعد أن وصل للنقطة المتفق عليها، التي تحدد نهاية السباق وجدها تقف على الأسفلت حافية القدمين، لامعة الوجه وابتسامة صغيرة على شفتيها. اقترب منها وهمَّ بقولِ شيء. فرفعت حاجبها الأيمن. فغرَ فاه عن ابتسامة كبيرة أظهرت أسنانه، وقال: لكِ الحق. اطلبي. رهانك. ماذا تريدين؟

اقتربت منه. صعدت على قدميه حتى اختلطت أنفاسها بأنفاسه وشعرها الطويل المتطاير انكمش عند صدره، قالت: أريدك أن تحقق رهانك الذي طلبته مني إذا فزت أنت بالسباق!

 

رواية الراهبة الغجرية، للكاتب ملاك رزق، الصادرة عن منشورات الربيع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *